الغزالي
46
الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل
ليست مرادة بالإعطاء . فلا بدّ من حمل اللفظ بعد ذلك على معنى ، وإلا لزم تعطيله ، فلم يبق إلا أن يريد بالإعطاء ؛ إعلامهم بما يليق بجلال اللّه عز وجل ، ثم سأل لهم التوفيق إلى العمل بمقتضاه من الإله القادر على ذلك ، فقال : « قدّسهم بحقك » . أي : أنا قد أعلمتهم ما يليق بجلالك - وهذه وظيفة الأنبياء المرسلين - فأرشدهم أنت ووفقهم إلى العمل بمقتضاه فإن هذه درجة / الإله القادر على خلق الأعمال . فإن قيل لم لا يجوز أن يكون من جملة المجد الذي أعطي له ؛ الاتحاد الذي استحق أن يكون به إلها ، وقد دلّ الدليل على عدم إرادته ، وأنه ليس معطا « 1 » ، فيكون غير مراد ، وإن كان مندرجا تحت لفظ العموم ؟ قلنا : هيهات ، هاهنا تسكب العبرات . وهل الإلهية يمكن إعطاؤها ؟ ! هذا مما أجمع العقلاء على استحالته . وهل هذه إلا مصادرة على المطلوب من غير إتيان بتيت « 2 » يعوّل عليه إلا ظواهر ؟ وقد حللناها من أيديهم ، وأوّلها صاحب شرعهم معتذرا / إطلاقها ومحترزا عن إرادة حقائقها ! . ومثل هذه المعضلة لا تثبت بمجرد الاحتمال ، ما لم تبرهن بالبراهين اليقينيّة ، لا سيما في شخص وضحت إنسانيته ، ثابتة لوازمها وملزوماتها وذاتياتها ، من الحيوانية ، والنطق ، والإعياء ، والجوع ، والعطش ، والنوم ، والاجتنان في الرحم ، والتألم - في رأيهم - في الصلب ، حيث قال : « إلهي إلهي لم تركتني » « 3 » .
--> ( 1 ) كذا في الأصل ، والصواب رسمه هكذا : [ معطّى ] . ( 2 ) كذا في الأصل ، وفي المطبوع : [ بثابت ] وقال محققه في الهامش : « في الأصل هكذا « بتيت » وهو لا معنى له ، والسياق يوجب علينا ذكر ما أثبتناه ، واللّه أعلم » . قلت : السياق لا يوجب ذلك ، وما أثبته المحقق خطأ ، والصواب ما أثبت في الأصل . ومعنى « بتيت » : من البتّ أي القطع ، ومنه قولهم : البتّة . فيكون معنى الكلام : « من غير إتيان مقطوع به . . . » . وانظر : « النهاية في غريب الحديث » ( 1 / 93 ) . ( 3 ) انظر : إنجيل مرقس - الإصحاح الخامس عشر - ( 34 ) .